السيد محمد باقر الصدر

153

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

ومن المفيد بهذا الصدد أن نعلم أنّ الثورة العلمية في الكيمياء التي قام بها ( لافوازيه « 1 » ) لم يقبلها الناس عامّة إلّافي نهاية القرن الثامن عشر « 2 » ، وقد استطاعت الفنون العمليّة خلال ذلك إجراء تحسينات في صناعة الحديد ، وصناعة الفولاذ قبل أن يعرف هؤلاء الفنّانون الفروق الكيمياوية الأصليّة بين الحديد والصلب ، والحديد المطاوع ، والفولاذ ، تبعاً لاختلاف نسبة الكربون فيها . وهذا الانفصال بين خطّ التفكير العلمي والخبرة البحتة في الفنون العملية ردحاً من الزمن يعني أنّ للعلم تاريخه الفكري ، وليس نتاجاً لحاجات الإنتاج المتجدّدة واستجابةً لمستلزماتها الفنّية فحسب . وأمّا ما لاحظه غارودي من أنّ كشفاً علميّاً واحداً قد يصل إليه عدّة علماء في وقت واحد فهو لا يبرهن على أنّ الكشوف العلمية دائماً وليدة الظروف التكنيكية لوسائل الإنتاج ، كما شاءت الماركسية أن تستنتجه من هذه الظاهرة زاعمة : أنّ الظروف الاقتصادية والمادّية حين تسمح لقوى الإنتاج بطرح قضيّة جديدة على العلماء ، وتدفعهم إلى التفكير في حلّها يصل هؤلاء العلماء إلى الكشف المطلوب في أوقات متقاربة ؛ لأنّ القوّة الدافعة لهم قد وجدت في وقت واحد من خلال تطوّر الإنتاج . ولكنّ هذا ليس هو التفسير الوحيد الممكن لهذه الظاهرة ، بل من الممكن تفسيرها عن طريق تشابه أولئك العلماء في الخبرة والشروط الفكريّة والسيكولوجيّة والمستوى العلمي العامّ .

--> ( 1 ) اسمه أنطوان لوران لافوازيه ( 1743 - 1794 م ) ، كيميائي فرنسي يعتبر مؤسس الكيمياء الحديثة . المورد 6 : 97 ( 2 ) انظر قصّة الحضارة 37 : 190 - 196